كتابة: اكرم عبدالحافظ
صورة : سوق الضباب ، مدينة تعز للمصورة آنا كارتر
كوب من الماء، هو اثمن ما يتمناه الجريح اثناء النزيف ، وغالباً ما يسارع احدهم -حٌباً بالمصاب- بإعطائة الماء ، بل يغدق عليه بشرب الماء فيكون بذلك قد سرّع بوفاة المصاب، لا سيما ان كان قد استمر النزيف لفترة طويلة. في حالات النزيف يصاب المريض او الجريح بما يسمى بالـ الشذوذ الوعائي الدموي او الـ ( Haemovascular Anomaly ) الذي يجعله يعاني من حالة عطش وجفاف في الفم والبلعوم. في الحالات الخطيرة التي يكون قد نزف فيها الجسم كميات كبيرة من الدم يعمل الماء على تخفيف او تمييع كثافة الدم المتبقي فيساعد في إدراره الى خارج الجسم عبر الجرح. لا تختلف هذه الحالة المرضية كثيراً عن سياسة زيادة طبع الأموال.
عقب الحرب العالمية الاولى عانت المانيا من ازمة اقتصادية حادة جداً وتضخمت ديونها وانتشرت الامراض والاوبئة في مدنها وعجزت المانيا حينها عن إعادة إعمار إقتصادها . كانت المانيا قد خسرت ثروات طائلة في التمويل العسكري، على عكس فرنسا التي رفعت من مستوى ضرائب الدخل لتعويض خسائرها ،استمرت الحكومات الالمانية بالتوجة نحو المزيد من الاقتراض. يذكر الكثير من المؤرخين والاقتصاديين ان السبب وراء هذا الكم الهائل من الاقتراض هو ان المانيا كانت مؤمنة بالنصر ، وسوف تقوم لاحقاً بسداد ديونها بعد السيطرة على ثروات اعدائها. لكن كانت الآمال مخيبة، لم تخسر المانيا الحرب فقط ، بل ايضاً خسرت قوة اقتصادها حينها. ففي عام 1921م عقب انتهاء الحرب العالمية الاولى طالبت الدول المتحالفة -في معاهدة لندن- من المانيا دفع حصتها من اموال تعويضات الحرب التي قدرت حينها بـ 132 مليار مارك الماني (اي ما يعادل 33 مليار دولار اليوم). محاولاتاً سداد ديونها ودفع غرامات تعويضات الحرب. كانت تعلم يقيناً المانيا انها لن تستطيع دفع هذه التعويضات فهي لاتزال عاجزه عن سداد قروضها التي مولت بها جيوشها في الحرب لذلك استمرت المانيا في الغرق في مستنقع الركود الاقتصادي عاماً بعد عام. فما كان من المانيا الا ان قررت طباعة المزيد من المارك الالماني (عملتها المحلية حينها) لشراء العملات الاجنبية لتستطيع سداد ديونها في ظل استمرار تدهور عملتها المحلية، ولكن ادى طباعة المارك الى خلق العكس تماماً فضعفت قيمة العملة وتدهور الثقة في امكانية استخدام العملة الالمانية في الاسواق المحلية في دول اوروبا وانخفضت قيمة العملة الالمانية اكثر واكثر. استمرت المانيا في طباعة المال آملةً بوجود حل في نهاية النفق ، ولكنها باستمرارها كانت تغرق في وحل الديون اكثر فأكثر حتى ان وصلت في عام 1923م الى تصبح عملتها تساوي 4 تريليون الماني للدولار الواحد. وتعد هذه اكبر نسبة تضخم اقنصادي شهدها التاريخ.
ليست المانيا الدولة الوحيدة المتضررة من الافراط في طباعة النقود ، هنغاريا وصلت الى مرحلة ان تطبع عملة 100 كوينتليون
(100 كوادريليون) حيث كانت تقل قيمة العملة مقابل السلع الاستهلاكية كل 13 ساعة. ايضاً زيمبابوي التي لازالت الى اليوم تعاني من الهايبر انفليشن او التضخم الاقتصادي الهائل حيث يساوي اليوم الدولار الواحد 100,000,000,000,000 وذلك لأسباب اقتصادية خاصة أهمها عملية الاستهتار والافراط في طبع المزيد من الاوراق النقدية في محاولة لسداد ديونها الخارجية وإنعاش اقتصادها.
يظن الكثيرين ان طباعة المزيد من المال يساعد تنمية الاقتصاد وتنمية الدخل للفرد ويساعد في خلق فرص اعمال وتنمية حجم السيولة المالية في السوق المحلية ، وهذا الاعتقاد صحيح ، لكن في حالة واحدة ، عندما تكون هناك تزايد في معدلات النمو الاقتصادي السنوي ووجود طلب اكبر من العرض المالي للعام السابق. في حال وجود نمو في مؤشر التغير في النمو الاقتصادي فإن عدم طبع المزيد من العملات يسبب في تنمية قيمة العملة المحلية ولكن يسبب ايضاً في إبطاء او كبح النمو الاقتصادي. فتكون الحكومة هي من تختار بين افضلية تنمية قيمة العملة او تنمية الاقتصاد وفقاً لمستويات المؤشرات الاقتصادية الأخرى.
في الحالات التي يكون النمو الاقتصادي فيها مستقراً او متدهوراً عن الاعوام السابقة لا يُنصح ابداً بطبع المزيد من العملات وذلك لانه يزيد من حجم الطلب على السلع الاستهلاكية مع بقاء الانتاج في نفس المستويات فيتسبب ذلك في رفع حجم التضخم الاقتصادي. تكون النتائج كارثية اذا ما تم طبع المزيد من العملات المحلية في ضل تدهور الانتاج المحلي مع إعتماد كبير على الواردات في الاستهلاك المحلي ،حينها يتم إهلاك قيمة العملة المحلية الى مستويات خطيرة بشكل سريع. خلق تسهيلات مالية وضريبية للقطاع الخاص من أجل تنمية الانتاج وتوجيه الاستهلاك الخاص الى المنتوجات المحلية وكبح الاستهلاك من الواردات حتى يتم تمييع تأثير الزيادة في العرض المالي قد يخفف من التدهور في قيمة العملة المحلية، ولكن في مثل هذه الاوضاع الاقتصادية تكون الحكومة عاجزة عن تقديم التسهيلات المالية ويكون الانتاج متأثراً سلباً بعوامل اخرى.
طباعة الاموال يكون ذو نفعٍ في الحالات التي يكون التأخير والتأجيل اكثر تكلفة. على سبيل المثال يسافر مئات الآلاف من اليمنيين للعلاج في الخارج سنوياً، فوفقاً لاحصائيات منظمة الصحة يسافر مايقارب 200 الف يمني سنوياً الى القاهرة .ينفق المرضى مابين 2000 دولار الى 35 الف دولار وتقدر اجمالي كمية الأموال التي تصرف في العلاج والسكن في الخارج ما يزيد عن 94 مليون دولار سنوياً . يكون من الافضل في هذه الحالات طباعة المزيد من المال من اجل تعمير المستشفيات وجذب الاطباء الاجانب للعمل محلياً بدلاً عن سفر المواطنين وتخبطهم من دولة الى اخرى. ففي هذه الحالة تكون العائدات من بقاء المال داخل الاقتصاد المحلي والزيادة في النشاط الاقتصادي معوضاً عن الفقدان في القيمة الناتجة عن طبع النقد. تكون الخسائر عظيمة عندما تقوم الحكومة بزيادة العرض المالي في السوق وتستمر عملية تدفق العملة المحلية للخارج مما يسبب تشبع اسواق الدول المجاورة بالعملة اليمنية فتنخفض قيمة صرفها.
تسعى ايضاً الحكومات احياناً الى زيادة العرض المالي في السوق لغاية تخفيض سعر الفائدة وبالتالي زيادة حجم الاستثمار ، ولكن يزعم الكثير من الاقتصاديين ان هذه السياسة على رغم واقعيتها الا ان تأثيرها يستغرق وقتاً طويلاً ليأخذ حيز في المكان لذلك يصعب التحكم في نتائجة او توقعها بشكل دقيق.
لنفهم لماذا الاوراق النقدية التي نملكها ليست كما نتصور انها ثروات وزيادتها يزيد من ثروة المجتمعات علينا دراسة تاريخ المال .وكيف نشأته، لنكتشف سر اعتبار الاقتصاديين والمؤرخين الاموال انها لا قيمة حقيقية لهاذا قيمة بل مجرد وعود بالدفع.
يذكر المؤرخين ان نشأة المال كانت في المال جاء ليصبح وسيط للتبادل. بدلاً عن الطريقة القديمة في المقايضة ، اللحم مقابل الارز و البخور مقابل البهارات. كانت عملية الشراء تطلب الكثير من التفاوض وكانت الى حدٍ كبير غير عادلة وذلك لصعوبة ايجاد بدائل عند المقايضة. تطلب ذلك وجود معيار وسطي للتبادل، لكن مع انتشارها زادت الامور تعقيداً فتطلب الأمر وجود حسابات اكثر دقة لتقييم السلع والخدمات فنتج عن ذلك استخدام العملات الذهبية والفضية. يتميز الذهب والفضة بالصلابة وطول العمر اضافةً الى سهولة احتساب قيمتهما وفقاً للوزن. شكل استخدام العملات الذهبية كوسيط لشراء السلع وتبادل الخدمات قفزة اقتصادية غيرت من نمط الحياة البشري الى الابد. كانت بداية صنع الثروات والاثرياء بدون جهد ، فلا يتطلب ان تكون ثرياً ان تمتلك اصطبلاً كبيراً لحفظ المواشي والخيول ولا يتطلب توسيع المخازن وحفظها من التلف، بل مجرد صندوق محكم الاغلاق. نتج عن استخدام الذهب والفضة كعملة نقدية شرائية ظهور الاطماع والمساعي لبسط النفوذ والاستحواذ فنشأت الامبراطوريات تلو الاخرى على نحوٍ سريع لم يشهده التاريخ من قبل.
مع تنامي حجم الثروات نمت ايضاً معها التطلعات والمساعي. فاصبحت نشاطات الدول خصوصاً في مجال الإعمار ضخمة، ليس ضخمة فقط بالحجم المادي وانما ايضا بحجم المال المتطلب للقيام بها. فعلى سبيل المثال كان سيكون من الصعب بناء برج ايڤل في فرنسا عن طريق الدفع بالعملات الذهيبة لتطلب ذلك مخزون هائل من الذهب يصعب نقله او توزيعه. مع تنامي الثروات وتضخم حجم الامبراطوريات وجدت مساعي لخلق وسيلة دفع اكثر امانا وسهولة عن الذهب بحيث يسهل شراء الكميات الكبيره ايضاً. يزعم الكثير من المؤرخيين ان ناشئة المال كأوراق نقدية كانت في القرن الحادي عشر للميلاد في الصين على يد امبراطورية سونج. توجه الناس الى كتابة الصكوك بدلاً عن الجهد الكبير في نقل العملات الذهبية والمخاطر المصاحبه لعمليات نقلها وتخزينها.. استمر التعامل بالصكوك لفترة طويلة في العديد من الحضارات القديمة. تطورت وتنوعت كتابات الصكوك وصولاً الى اصدار اورقة نقدية كعملة محلية في العام 1661م من قبل بنك ستوكهولمز في السويد.
تسابقت الدول الاوروبية في طباعة الاوراق النقدية عبر بنوكها المركزية ساعد ذلك في خلق نهضة مالية غير مسبوقة في اوروبا ولكن مع مرور الوقت واجه الاقصاديون مشكلة وهي ان كل بلد اصبح له عملته الخاصة به ، فكيف بالامكان التقايض بشكل عادل ؟ كان الحل هو ان يكون لكل عملة سعر معين او قوة معينة. كخطوة اولى كان الذهب هو المعيار لقياس قوة العملة، فالبلد التي تملك ذهباً كافياً تكون عملتها اقوى. وذلك لسبباً بسيطاً هو ان الدولة التي تملك الكثير من الذهب بإمكانها تغطية نفقاتها وسداد ديونها فيكون التعامل بعملتها اكثر امناً وثقة. خلقت هذه السياسة صراعات ونزاعات عظيمة حيث سعت الدول العظمى الى تضخيم حجم خزائن ذهبها على حساب خصومها ونتج عنها ايضاً تبلور نظرية الإتجارية.
ثم بدأت مساعي لتحديد قوة العملة عبر مقارنة قيمة العملة مقابل ما يمكن انتاجة او الحصول عليه بين البلدان. على سبيل المثال في اليمن يكلف شراء 1 كيلو تفاح 300 ريال ، في حين يكلف شراء 1 كيلو تفاح في امريكا 1 دولار، اذاً اقترح حينها بأن يكون الدولار الامريكي يساوي 300 ريال يمني. ولكن هذه النظرية او المقترح لم يتم الاجماع على صحتها كون هناك العديد من العوامل التي تؤثر على سعر الكيلو التفاح وتختلف بشكل كبير بين البلدين.
لم تستمر النظريات الاقتصادية السابقة كثيراً ، لا سيما مع حجم الصراعات التي خلّفتها ، حتى توجهت الدول العظمى واصحاب البنوك العالمية الكبرى عقب الحرب العالمية الثانية الى ايجاد حلاً بديلاً لتحديد قوة وقيمة العملات النقدية المختلفة، حلاً يسمح ان تحافظ كل دولة على شكل العملة الذي يتناسب معها ولا تكون قيمة العملة مرتبطة بسعر الذهب ، فكان ذلك ممكناً عبر التعويم. أُقترح ان يكون العرض والطلب في سوق العملات هو ما يحدد قوة العملة، اي يتم التعامل مع العملات كـ سلعة لا كقيمة. لاقت هذه النظرية القبول الاكبر بين اوساط الخبراء الاقتصاديين في العالم حيث ان آلية العرض والطلب هي غير قابلة للتحكم بشكل كامل وتكون اكثر عدلاً ومنطقية. فالعملة التي يزداد الطلب عليها يزيد سعرها والتي يقل الطلب عليها يقل سعرها. فتكون هناك مجموعة من العوامل الاقتصادية التي تؤثر على قيمة العملة ولكن لا تتحكم بها. في عام 1944م وقعت القوى المتحالفة في الحرب العالمية الثانية على وثيقة (بريتون وود) Bretton Woods التي جاء في فحواها وضع نظام نقدي ثابت تقارن فيه اسعار عملات الدول المتحالفة بالدولار الامريكي. السبب الرئيسي الذي جعل من الولايات المتحدة مرشحاً قوياً هو كونها كانت تمتلك حينها ثلاثة ارباع المخزون العالمي من الذهب. لم تستمر اتفاقية بريتون كثيراً فعقب الازمة الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد الامريكي اثناء الحرب مع فيتنام في ستينات القرن الماضي وجد الرئيس نيكسون ان لا حل بديل للخروج من ثنائي التضخم الاقتصادي والازمة الاقتصادية الا عبر الغاء اتفاقية بريتون فكان مارس 1973م هو تاريخ تعويم العملات مع بعضها البعض دون الاستناد الى قيمة الدولار الامريكي.
كخلاصة بالإمكان القول ان طباعة المزيد من العملات اليمنية في ظل الازمة الاقتصادية الراهنة هو بمثابة كوب ماء لجريح قد استنزف كمية هائلة من الدم ، لن يستفيد منها الاقتصاد اليمني بل ستزيد الازمة حِدّه وستتعمق قدم الاقتصاد في الوحل اكثر من ذي قبل. لا يمكن طباعة المزيد من المال في ظل استمرار تزايد الدين المحلي ( الدين المحلي في عام 2017م وصل الى 85 ٪ من اجمالي الناتج المحلي وبنسبة عجز محلي بما يعادل 13٪ من اجمالي الناتج المحلي وهو الاعلى منذ تأسيس الجمهورية اليمنية). إستمرار زيادة العرض النقدي في ظل عدم وجود صادرات يمنية واعتماد كلي على الواردات في الاستهلاك المحلي لمعظم السلع الأساسية وفي ظل عدم وجود نمو اقتصادي سنوي هو بمثابة إنتحار إقتصادي.
أما طباعة المال استبدالاً للعملة التالفة لا يؤثر ابداً على العرض والطلب ولكن يجب ان يكون ذلك بشرط سحب العملة التالفة من الاسواق تجنباً لتدهور قيمة الريال اليمني وصحة المواطن !
Leave a comment