كتابة : اكرم عبدالحافظ
أختلفت الحروب العظمى في غاياتها على مدى التاريخ ولكن جميعها كانت مرتبطة بهدف إقتصادي اساسي وهو الحصول على موارد التنمية. حين كتب الاقتصاديين في مطلع الستينات عن سُبل التنمية كالاقتصادي البريطاني ثوماس مون 1612م والاقتصادي الفرنسي جين كولبارت 1665م والكثير من الكتاب والفلاسفة الايطاليين في مطلع النهضة الايطالية في القرن الرابع عشر وعن فوائد الاستحواذ على المال -ممثلاً بالذهب والفضة حينها- وكيف يكون ذلك هو الحل الوحيد للتنمية الاقتصادية اتجهت الحكومات والدول نحو تضخيم مخزونها من الذهب والفضة بقدر استطاعتها ولأن التجارة كانت هي الوسيل الوحيدة للحصول على المال سلمياً أُنشت وقتها سياسة اقتصادية غيرت من ملامح الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية على مدى قرن كامل من الحروب والنزاعات المستمرة ، سميت تلك السياسة بالماركنترلزية او الاتجارية (mercantilism).
(الماركنتلزية او الإتجارية هي “نزعة للمتاجرة من غير اهتمام بأي شيء آخر”،[1] وهي مذهب سياسي-اقتصادي ساد في أوروبا فيما بين بداية القرن السادس عشر ومنتصف القرن الثامن عشر.)
نتجت عن المقاطعة التجارية حروب دامية بين العديد من دول اوروبا وتصدرت قائمه هذه الدول كلاً من بريطانيا وفرنسا وهولندا في حروب استمرت عقوداً من ومع استمرار الحروب نشات نظريات اقتصادية تنقض نظرية الاتجارية وتقترح ان الدول بإمكانها تطوير وتنمية اقتصادها عن طريق المزيد من التجارة مع الدول الاخرى لا عن طريق قطع التجارة. كانت اهم هذهالنظريات هي نظرية آدم سميث ”الامتياز المطلق“ ومن ثم نظرية ريكاردو ”الامتياز التنافسي“ نجحت هذه النظريات بتوجيه جهود الدول نحو تنمية اقتصدها من خلال دراسة فرص تجاراتها وتنميتها. تفاوتت الدول العظمى من حيث حجم تجارتها وذلك بسبب اختلاف تكلفة المنتجات من بلد الى اخر وكان احد اهم اسباب اختلاف التكلفة ،بالتالي اختلاف الاسعار، هو عامل اليد البشرية العاملة. كنتيجة لذلك ظهرت رغبه جامحة لدى الدول المنافسة بالحصول على يد عاملة رخيصة ،او بالافضل مجانية.
الحروب الليبية الامريكية 1801-1815 والحرب الأهلية في امريكا 1861عام والكثير من حروب الثمانينات كانت مرتبطة بالاستحواذ على رأس المال البشري متمثلاً حينها بالعبيد. استطاعت الدول الغنية بالرأسمال البشري المجاني (العبيد) من تخفيض تكلفة وقيمة بضائعها وبالتالي تنمية تجارتها وتطوير حضارتها عن طريق إنشاء السفن و سكك القطارات وتعبيد الطرقات واستخلاص المواد الخام كالفحم. كان النصف الثاني من الثمانينات بداية التحول في اهداف وغايات الحروب خصوصاً مع انتهاء حقبة العبودية في كثير من دول اوروبا وامريكا الشمالية فسارعت الدول الطامحة نحو الاستحواذ على العامل الثاني للتنمية الإقتصادية وهو الارض. تسبب التمدد الجغرافي حروباً دامية في معظم دول العالم تنافست فيه العديد من الدول العظمى حينها للسيطرة على اكبر قدر ممكن من الاراضي لبسط نفوذها وتنمية اقتصادياتها. كانت اهم تلك الحملات هي الحملات التي قادتها كل من فرنسا بقيادة نابليون بونابرت وما تبعها من محاولات استعمارية، ايضاً كانت الدولة العثمانية لاعباً مهماً في تلك الحقبة كونها كانت الاقرب لأهم مطمع وهو ارض العرب الغنية اثرياً وتاريخياً وثروتاً ولموقعها الجغرافي المتوسط لأهم قنوات التجارة العالمية. وكما قمعت الاطماع الساعية لتطوير الاقتصاد على حساب العامل البشري عن طريق الثورات المضاده للعبودية في مطلع الثمانينات ، ظهرت العديد من الحملات والحروب العكسية المضادة للتمدد الجغرافي الاستعماري في الارجنتين وتشيلي والمكسيك ضد المملكة الاسبانية وفي اجزاء من الهند ضد الكولونية البريطانية.
خلفت الحروب التي مر بها العالم في القرن السادس والسابع والثامن عشر مآسي كثيرة ودمار لايكاد بالامكان إحصاءة ولكنها ايضاً خلقت ثروات طائلة استحوذ عليها افراد وأسر بدلاً عن دول ومجتمعات فكان القرن التاسع عشر حافل بالأسر النبيلة واصحاب رؤوس الاموال الذين استغلوا فيها نفوذهم لتغيير ورسم السياسات المحلية والدولية للبلدان. معا استمرار تفشي الطبقية في معظم دول اوروبا وامريكا الشمالية وبعد الدمار والازمات الاقتصادية التي خنقت الكثير من الدول التي شاركت في الحرب العالمية الاولى نشبت القوى المعادية للطبقية ومناهضة لاستحواذ افراد وأسر معينة للموارد المالية ورؤس الاموال وكان اهمها الاتحاد السوفيتي في المانيا. عقب الازمة الاقتصادية الكبرى في امريكا ولاسباب اخرى نشبت الحرب العالمية الثانية بين دول المحور ودول التحالف لتسجل اكبر نزاع مسلح في التاريخ.
لطالما كانت الحرب مرتبطة بالاقتصاد وهذا لا جدل فيه ، ولكن الجدل القائم هو حول نوع العلاقة ؛ عكسية أم طردية. الخلاف القائم اليوم بين الكثير من الاقتصاديين في دول مختلفة من العالم هو حول نظرية ”الحرب تفيد الاقتصاد“.
يقترح بعض الاقتصاديين ان الحرب تحرك عجلة التنمية الاقتصادية ؛ تقلل من نسبة البطالة ، تزيد من الاستهلاك ، وتعود بمنافع عديدة على المجتمع اقتصادياً. احد الكتاب المشهورين في هذا التوجه هو هنري هازليت الذي تحدث عن فوائد الحرب او الحوادث في تحريك الاقتصاد من الركود. لتوضيح وجهة نضره ضرب مثلا انه لو كان هناك متجر يبيع اللحم ومر شاب ورمى حجراً على واجة المحل الزجاجية، نتيجةًلهذا الحادث سيقوم صاحب المتجر بتوظيف عامل إصلاحات ،وسقوم عامل الاصلاحات بشراء زجاج بديل ومواد بناء من متجر مواد البناء وسيقوم باستئجار مركبة لنقل المواد. اجمالي المنفعه الذي تولدت لم تكن لتوجد لو ان الحادثه هذه لم تكن. يقترح زملاء مؤيدون لهنري ان الحرب ايضاً تزيد من حجم الضرائب وتقلل من النفقات الغير ضرورية. مستدلين بحروب نابليون بونابرت يقترح البعض ان الاستفادة التي جناها الفرنسيون من توسع في اصطياد الاسماك وصناعة الحديد وزيادة حجم التجارة اثناء حروب نابليون التوسعية تشكل مثال جيد أن الحروب تنمي الاقتصاد.
في الصف الآخر الكثير من الاقتصاديين يقترحون ان الحرب احد اكبر مدمرات الاقتصاد. في كتاباته الشهيرة نورمان انجل (norman angell) الاقتصادي البريطاني يذكر ان المواطن العادي لا يستفيد من تمدد مملكته وزياة نفوذها ولكن الاسرة الحاكمة هي من تجني الثمار. فالتضحيات تكون من اولئك الذين يملكون القليل ولا يكترثون لخسارتهم لانه لا يكاد يجدون شيئاً يخسرونه. وغالباً مايكون المواطن البسيط هو وقود المعارك واداة التمدد وبسط النفوذ لتبقى الطبقة الحاكمة في النهاية لتذوق ملذة مطامعها وطموحاتها. ففي عصر الكولونيات والاستعمار البريطاني -الفرنسي والاستعمار الالماني- الايطالي كانت تفرض ضرائب على المواطنيين المستعمرين لكن عائدات هذه الضرائب كانت تحصل من قبل الاسر الحاكمة نفسها وجزء منها للجيش المستعمر.
احد التغيرات الاقتصادية السيئة المصاحبة للحروب هي ارتفاع نسبة التضخم الاقتصادي. ذكر المخطط الحربي الصيني الشهير سون تزو sun tzu في كتابه الشهير فن الحرب the art of war عن تأثير الحرب على الاسعار قائلاً ”اينما يكون الجيش تكون الاسعار المرتفعة ، وعندما ترتفع الاسعار تتلاشى ثروات الناس“. لم يكن منطق سون تزو بعيداً عما يحصل اليوم في الدول التي تعاني من الحرب ففي اليمن تكاد الاسعار تخنق المواطن اليمني ولم يعد هناك تركيز للاموال الا في نطاق الجيش والتسليح العسكري. ويعود سبب ارتفاع الاسعار الى ندرة الاموال الكافية لتغطية تكلفة الحروب. وعندما تجد الدول نفسها عاجزة عن دفع تكاليف الحروب تكون امام ثلاثة خيارات جميعها جيدة على المدى القصصير ولكن مهلكة على المدى الطويل ؛ إما طباعة المزيد من الاموال (او شراء المزيد من الفضة والذهب في الماضي) وهذا يؤدي الى
تدهور العملة المحلية واستنزاف للثروات كما حصل في الحروب الانجولية في الفترة 1975-2002 عندما تدهورت العملة بشدة حتى اصبحت عديمة الفائدة كقوة شرائية وتم استبدالها بالمشروبات الكحولية كوسيلة للتبادل التجاري او المقايضة. الحل الثاني يكون عن طريق الدين ، وهذا ،إن شكل حلاً سريعاً على المدى القصير ولكنه اعظم فخ تُجر اليه البلدان لكي تغرق بوحل الفوائد الى جانب الاضرار الاقتصادية الجسيمة التي تصاحب العجز عن دفع استحقاقات الديون. اما الخيار الثالث هو ان ترفع نسبة الضريبة على المواطنين وهذا الخيار يختلف عن الخيارين السابقين حيث ان تأثيرة يكون سلبياً على المدى القصير اولاً. ارتفاع الضرائب يؤدي الى تخفيض الاستهلاك المحلي وتنفير رؤوس الاموال مما يؤدي الى إهلاك اجمالي الناتج المحلي وإبطاء عجلة النمو الاقتصادي.
الى جانب التضخم الاقتصادي تعمل الحرب على اهلاك الاقتصاد عن طريق تدمير المقدرات والاستثمارات وموارد الدخل. تكون الحروب غالباً مصحوبة بدمار للممتلكات الخاصة والعامة من مزارع ومدارس ومستشفيات وطرقات وجسور ومطارات ويكون الناتج السلبي من تدمير هذه الممتلكات مضاعف عندما ينعكس على النشاطات الاقتصادية المرتبطة بها. فتنتشر الامراض والاوبئة ويتراجع مستوى التعليم وتضعف الحركة التجارية للبصائع. ومع ان الحرب قد تخفف من نسبة البطالة الا انها تبدد طاقات العمل وتعمل على تجميد روح الابتكار والابداع لإنشغال الكثيرين بكيفية الحصول على اسايات المعيشة كالامن والغذاء ووسائل البقاء على قيد الحياة. ومن المعروف ايضاً ان ارتفاع معدل التضخم الاقتصادي فوق الوضع الطبيعي يكون مصحوب بتأثيرات مضاعفة على العديد من المؤشرات الاقتصادية الاخرى كإنخفاضات في معدل الدخل الحقيقي ، مستوى التنافس في الصادرات ، ومستوى انتاجية اليد العاملة (بسبب انخفاض الدخل الحقيقي) ،مصحوب ايضا بإرتفاع حجم الطلب على القروض لتغطية الخسارة من ارتفاع الاجور. ولعل الجانب المظلم والمؤسف في ارتفاع معدل التضخم الاقتصادي هو تلاشي الطبقة ضعيفة الدخل والفقيرة نتيجةً لإرتفاع مستوى الاسعار ويكون الحل الوحيد للبقاء على قيد الحياة هو عبر المشاركة في الصراع سواءاً كجيش نظامي او ميليشيات مما يجعل منهم وقوداً لإستمرارية الحروب واستماراية التضخم الاقتصادي. نتستطيع القول بخلاصة ان الحروب تطول غالباً فتتوارى أسبابها خلف دمويتها ودمارها ، وبالنهاية سوءاً كان ظاهراً ام لا ، يكون السبب الرئيسي لأي حرب اقتصادياً اولاً، ولذلك ادارة اقتصاد الحرب هي لا تقل اهمية وخطورة عن قيادة الجيوش في المعارك
Leave a comment