اخطاء يقوم بها بعض التجار في اليمن تساهم في إهلاك الاقتصاد ؟

عندما تتفاقم الاوضاع الاقتصادية في بلد ما يتم تسليط الاضواء على الحكومة وإلصاق الفشل في اداءها وسياستها ويتم تجاهل كلياً دور القطاع الخاص في المساهمة في هذه الأزمات. ويعود سبب هذا التجاهل هو أن الاعتقاد بأن الحكومة هي المسؤولة عن ضبط وتوجيه القطاع الخاص ولكن هذا ليس صحيحاً. فالقطاع الخاص يمتلك الحرية في الاساليب والتصرف الى حدٍ كبير. قد توجد الكثير من الضوابط والإعاقات على كمية التجارة ولكن لا تواجد ضوابط حول كيفية التجارة. يساهم التجار بتدمير الاقتصاد بشكل قد يكون الى حد ما اعظم من اسهام فشل السياسات الحكومية. نذكر في هذا المقال بعض من الاساليب الخاطئة التي يقوم بها التجار تسهم بدورها بتخفيض مستوى النمو الاقتصادي.

عملة الشراء :

يمثل القطاع الخاص في اليمن جزءاً هاماً في تركيب إجمالي الناتج المحلي حيث يسهم الاستهلاك الخاص بنسب عالية من إجمالي الناتج المحلي محققاً 70٪ في عام 2007 ووصولاً الى 111٪ في عام 2015. وقدر اجمالي الاستهلاك المحلي في عام 2015 بـ 37 مليار دولار امريكي مستوردتاً اليمن في نفس العام بما يعادل 6 مليار وخمسمائة مليون دولار امريكي يشكل فيها القمح اعلى نسبة ، 20٪ ، ومن ثم المركبات والمعدات بنسبة 10٪ غالباً. تقدر قيمة الواردات من السيارات الاجنبية بـ 7 مليون دولار سنوياً وتقدر قيمة واردات القمح والحبوب بـ مليار و2 مليون دولار. قد تبدو في الوهلة الاولى الارقام عظيمة ، وهذا صحيح، الا انها مقارنتاً بالبلدان الاخرى ليست بذلك القدر المخيف. فالحقيقة المخيف هو تأثير هذه الواردات في معدل سعر الصرف للعملة اليمنية. في مقال سابق قمت بشرح كيف يؤثر معدل التجارة في سعر الصرف للعملة حيث ن ارتفاع معدل الاستيراد بالنسبة لمعدل الصادرات فإن ذلك ينعكس سلباً على سعر الصرف. مر اليمن بمعدل توازن تجاري سالب خلال العقد الماضي ، اسهم هذا التدهور سلباً على سعر الصرف نتيجة لعدم وجود سياسة مصرفية قوية تعمل على ادارة عمليات تجارة السلع والخدمات بطريقة ديناميكية تتناسب مع احتياجات السوق النقدي.

عندما يتم انتاج سلعة صناعية في دولة ما تخضع هذه السلعة لضرائب حكومية عديدة كـ ضريبة الدخل على الموظفين ، وضريبة الارباح، وضريبة البيئة وغيرها من الضرائب التي بدورها تزيد من سعر تكلفة التصنيع الحقيقية. ومن ثم اذا ما عرضت في السوق المحلية فانها تخضع لضرائب كضريببة مبيعات والتي قد تتراوح الى 20٪ من سعر السلعة بالاضافة الى تكاليف اخرى تسويقية وتخزينية وحكومية. يكون الفرق بين التاجر الماهر الذي لا يضر الاقتصاد والتاجر المبتدء او المتهور الذي يضر الاقتصاد في هذه المرحلة. فالتاجر المتهور يقوم بزيارة بلد ما ويذهب الى السوق المحلية او سوق الجملة ويقوم بشراء كمية من السلع التجارية ويعود بها الى وطنة ليبيعها لمستهلكين متعطشين لبضاعات جديدة. عند شراء التاجر بضاعته من السوق العامة فانه يساهم في إثراء حكومة البلد الذي يشتري منها ويفقر اقتصاد الشعب الذي يعود بتجارته اليها. فالمستهلك الاخير يقوم بدفع جميع الضرائب التي فرضت على السلعة في الدولة المصدرة بالاضافة الى جميع تكاليف النقل والتخزين والبيع والاهم من ذلك كقدار ربح التاجر في البلد المصدر والتاجر في البلد المستورد. مقدار الخسارة هذا يصل الى ملايين الدولارت سنوياً على الاقتصاد الكلي وتظهر آثارة في المجتمع حيث يجد المواطن صعوبة في توفير المبالغ الكافية لشراء السلع فتظهر الاثار السلبية للفقر النسبي. ومع ان التخويف والتنذير هو سعادة كل محلل إقتصادي الا اني ساتجنب ذلك هنا واذكر ان التكنولوجيا الحديثة ساهمت بشكل كبير بإيجاد حل لهذا الخلل ، حيث انه اصبح بإمكان المستهلك ان يشتري السلعه التي يريدها عبر الانترنت من بلد انتاجها فيكون بذلك قام بتوفير ما كان سينفقه على ارباح التاجر المستورد للسلعه وتكاليف التخزين والبيع. لكن كون الشراء الاكتروني لا يزال ضعيفاً جداً ويفتقر البنية الاساسية والقاوانين الجمركية والبنكية اللازمة فإن هذا الحل لايزال مفقوداً.

قد يعتقد البعض انه من المنصف والمرضي ان يعاني التاجر من مآسي خسارته لأموال بذلها في استيراد سلع غير مناسبة في السعر او الجودة فالمال ماله والخسارة هي بالتأكيد خسارته، لكن هذا الاعتقاد ليس كلياً صحيح. من غير المنصف ان نسعد لخسارة الآخرين بشكل عام وخصوصاً اذا كان الاخرين هم جميعنا. التاجر عندما يذهب لشراء سلعة تجارية بغرض استيرادها الى بلده فإنه يقوم ببيع الريال اليمني وشراء عملة البلد المنتج لهذه السلع ، بذلك يكون قد اسهم في اضعاف الطلب على الريال وزيادة الطلب على العملة الاخرى بالمقابل. فإن تم استهلاك هذه السلعه فيكون على الاقل قد ساهم في زيادة نسبة الاستهلاك المحلي وبذلك معدل إجمالي الناتج المحلي ، ولكن ان كان مصير هذه البضاعة المستوردة التلف فإنه هنا قد ساهم بـ إضعاف الاقتصاد الوطني خصوصاً ان مستوردات القطاع الخاص تشكل اكثر من 60٪ من اجمالي الاستيراد . لذلك بإعتقادي انه يجب يكون من مسؤليات الجكومة ممثلة بوزارة التجارة والصناعة تنظيم عمليات الإستيراد قبل الشروع بالاستيراد من خلال المطالبة بتقديم دراسة جدوى للمنتجات التي يتم استيرادها بحجم كبير قب الشروع بشراءها.

من الاخطاء الشائعة ايضاً التي تساهم في إهلاك الاقتصاد هي الإفراط في التعامل في الدولار والعملات الأجنبية بالنسبة للريال اليمني في العمليات التجارية. فكثير من التجار المصدرين للسلع اليمنية يقوم ببيع السلع اليمنية بالدولار او احياناً بعملة البلد التي يصدر اليها وهذا قد يكون منفّعاً للإقتصاد من حيث توفير مخزون نقدي اجنبي ولكن الاجدر ان يتم ايضاً البيع بالريال اليمني حتى يزيد الطلب على الريال في الاسواق الخارجية فتزيد قيمته. سياسة إقتصادية في هذا الجانب يجب ان تكون من الاولويات للعمل على تنظيم توازن العملة والمخزون النقدي الاجنبي. يجب ان تشمل هذه السياسات ايضاً ابقاء الاستيراد في الوضع الآمن وذلك ليس عن طريق الاساليب الكلاسيكية التي اصبحت اليوم مكروهة عالمياً كرفع نسبة الجمارك او اعطاء وكالات وتراخيص حصرية لأفراد ليتم تحديد حجم الاستيراد، ولكن عن طريق تشجع الانتاج المحلي كبديل للاستيراد والعمل على مضاعفة حجم التصدير بتسهيل إجرائاته مقارنةً بإجرائات الاستيراد بهدف تعديل الميزان التجاري. اضافةً الى ذلك يُقترح ان تقوم الحكومات بتحديد نسبة ارباح معينة على المستورد بحيث لا تتجاوز نسبة ارباح المصنّع المحلي للسلعة ذاتها.

الأرباح المرتفعة:

في المجتمعات الحرة الغير شيوعية يكون تحقيق الارباح هو الدافع والمحرك الأساسي لنمو ونجاح الاعمال. مضاعفة الارباح ليس بالضرورة مضراً للاقتصاد بل على العكس ينمي عائدات الدولة ولكن تكمن المشكلة عندما تنمو هذه الارباح ولا تنموا معها الاجور والمعاشات لليد العاملة. نجد في اليمن الكثير من التجار الاثرياء التي قد تصل ثرواتهم الى ملايين الدولارات ونجد في مصانعهم عمال لا تتجاوز معاشاتهم مائتان دولار شهرياً. يؤدي هذا الى توسيع الفجوة بين الفقراء والاغنياء وخلق بيئة عمل غير مستقرة ويثبط القدرات البشرية ويدمر روح الابتكار والابداع . ولأن ارباح التاجر تأتي على حساب سعر السلعة فإن المستهلك اليمني يتحمل تكاليف عالية لمنتجات كان بإمكانه الحصول عليها بتكلفه اقل. وجدت هذه المشكلة في الكثير من الدول العظمى وكان الحل لها هو تشجيع السوق التنافسية. في السوق التنافسية يتم محاربة الاحتكار أي لا يوجد وكيل وحيد حصري لمنتج ما فيتم تنافس عدد كبير من التجار في القيمة والجودة ويكون المستهلك هو من يختار السعر المناسب له. بالإضاف الى ذلك يتوجب على الحكومات مراقبة الارباح بالسنبة للاجور والمعاشات وإعطاء حوافز للتجار ورجال الاعمال الذين يعطون اليد العاملة اجور مرتفعة نسبياً وتحديد حد ادنى للاجور يحمي اليد العاملة والاعمال نفسها من الاضطرابات.

هناك جانب جيد حول تحقيق ارباح عالية متمثل بإنشاء المزيد من المشاريع وتمية النشاطات الإقتصادية وفرص العمل وتكمن المشكلة عندما يتم إنفاق هذه الارباح الطائلة في مشاريع خارج الوطن يتم تحصيل ضرائبها من قبل الحكومات الاخرى. وتسوء الاوضاع الاقتصادية اكثر عندما يتم انفق الارباح في الاستجمام والسياحة الخارجية وشراء العقارات وغيرها من الطرق التي بالامكان توظيف اموالها بمجالات تنموية أخرى.

التهرب من الضرائب:

تعد الضرائب المباشرة والغير المباشرة ثاني اهم مصادر الدخل العام في اليمن. تعتمد الحكومة اليمنية على عائدات الضرائب في أعادة توزيع الثروة بين اوساط المجتمع بشكل عادل وشامل عن طريق تقديم الخدمات والسلع العامة لجميع المحافظات بمساعدة ايضاً المساعدات والمنح الخارجية. شكلت عائدا الضرائب الغير المباشرة وحدها 192 مليار ريال في 2011 و 267 مليار في عام 2012م وحققت اجمالي الضرائب المباشرة والغير مباشرة في عام 2012م 515 مليار ريال يمني بنسبة 7.3٪ من اجمالي الناتج المحلي. يشكل التهرب الضريبي معضلة إقتصادية من الدرجة الاولى في اليمن لصعوبة الحصول على معلومات كافية حول حجم

التهرب والجهات المتهربة. وفقاً لدراسات اكاديمية يعود السبب الرئيسي للتهرب الضريبي بنظر المواطنين هو ضعف الجهاز الحكومي الرقابي القائم على تحصيل الضرائب حيث يشعر بعض المواطنيين ان ضرائبهم لن يتم تحصيلها الى خزينة الدولة. البعض الآخر لا يشعر بجدية وخطورة جريمة التهرب من الضرائب بإعتبارها بنظره ”جريمة ياقة بيضاء“. لا شك ان غياب الجدية في التعامل مع محصلين الضرائب من قبل الحكومات اليمنية هي احد أهم أسباب التهرب الضريبي ، ولكن ايضاً غياب الوعي الإجتماعي لدى كثير من التجار لايقل في إسهامه عن ما ذكر. فالتاجر الذي يبادر في أستيفاء جميع الضرائب المستحقه عليه يدرك مساهمة امواله في تنمية العائدات المالية للحكومة والتي بدورها تنعكس على النفقة الحكومية (بناء المزيد من المستشفيات ،المدارس، شبكات الكهرباء وغيرها من الخدمات).

يمكن أن تؤدي التخفيضات الضريبية أيضا إلى إبطاء النمو الاقتصادي على المدى الطويل من خلال زيادة العجز في الميزانية. فعندما يقل الدخل العام فأن الحكومة تضطر الى استخدام اموال كان بإمكان استخدامها في استثمارات خاصة او عن طريق الاقتراض من المستثمرين الأجانب. وبالتالي فإن الاقتراض الحكومي إيقلل من الاستثمار الخاص، ويقلل من القدرة الإنتاجية المستقبلية مقارنة بما كان يمكن أن يكون.

Leave a comment

Up ↑